تغريدات
فعاليات
October 2018
MTWTFSS
« Sep   Nov »
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31     

استقرار التشريعات التجارية – بقلم الدكتور محمد الخليفي

إن استقرار التشريع وثبات أحكامه غاية من غايات العمل القانوني، فبثبات التشريع يضمن المشرّع استقرار أوضاع المعاملات المدنية والتجارية التي يبرمها الأفراد أو الأشخاص الاعتبارية. ولعلّ هذه القضية المتفق عليها تثير تساؤلاً حول ما إذا كان ذلك الثبات مما يتعارض مع تسريع وتيرة النمو الاقتصادي.

والحقيقة أن للدستور في هذا التساؤل كلمة، نصّ عليها في المادة 28 بقوله: “تكفل الدولة حرية النشاط الاقتصادي على أساس العدالة الاجتماعية، والتعاون المتوازن بين النشاط العام والخاص، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الإنتاج، وتحقيق الرخاء للمواطنين، ورفع مستوى معيشتهم وتوفير فرص العمل لهم، وفقاً لأحكام القانون”.

وإن مما يستخلص من دلالات هذا النص الدستوري أن تلك الأهداف والنتائج المنشودة من وراء النشاط الاقتصادي تحتاج إلى مرحلة زمنية تؤدّي فيها أدوات الإنتاج وظائفها في تحقيق التنمية.

ومن البديهي أن للتشريع دوراً رئيسياً في مصاحبة النشاط التجاري والاقتصادي، وإذا اتسم التشريع بالثبات فإن ذلك يساعد المخاطبين بأوامره من أفراد وشركات على التكيف مع أحكامه. ومن الجدير بالإشارة إليه، أن القانون لا يحرز خصلة الاستقرار إلاّ إذا بُني على قواعد سليمة وسديدة، وهذا يستدعي في مراحل إعداد المشروعات تكريس الأبحاث والدراسات المعمَّقة في فروعه ومواده، ضماناً لاتفاق التشريعات مع التطلعات المستقبلية في مجال التجارة والاقتصاد.

ولعلّ من التشريعات التي كان يتعين أن تحرز خصيصة الثبات قانون الشركات التجارية رقم 5 لسنة 2002، فقد أُدخلت عليه مجموعة من التعديلات خلال فترة سريانه، تعديل في عام 2006، وتعديلان في عام 2008، وتعديل في عام 2010، ثم كانت خاتمة هذه التغييرات الإعلان عن مشروع قانون جديد للشركات، ربما يرى النور قريباً. وأحسب أن موضوع هذه التعديلات أو التجديد التشريعي ليس من المستجدات الطارئة في الفكر القانوني، أو عناصر في أهداف الاستراتيجية التنموية، بمعنى أنه كان في الإمكان دراستها قبل عام 2002، والبحث عن مدى قابليتها لأن تكون جزءاً من التشريع، بما يجنّب القانون التعديلات التي تؤثر في استقرار المعاملات. وأقتبس كلمة لفريدمان أحد أساتذة القانون الألمان وهي قوله: “إن الاستقرار هدف رئيسي للقانون وحافز هام لتطوّره”. كما أن هناك عبارة مشهورة للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بقوله: “إن ما يجعل القوانين موضع احترام وإجلال، إنما هو تقدّمها في الزمن، وإن الشعب سرعان ما يعيب تلك القوانين متى رآها تتغيّر كل يوم”.

إن أحق القوانين بالثبات المجموعات القانونية التي يسمونها التقنينات، كالمجموعة المدنية أو التجارية أو العقابية أو غيرها. وأحسب أن قانون الشركات التجارية من قبيل المجموعات القانونية التي تنزّل منزلة التقنين، فيجب أن يكون حظّه في الثبات أرجح من نصيبه في التغيير، فهذا القانون ليس تشريعاً استثنائياً، ولئن كان القانون المدني ينظم أحكام عقد الشركة، فإن ذلك التنظيم خاص بالشركات المدنية، بينما يتعامل القانون مع الشركات التجارية بأحكام أخرى، وإن كان القانون المدني أصلاً عاماً لما أغفله القانون الخاص فإن ذلك لا يفقد القانون الخاص استقلاله. وقد كان من حق الأحكام المتعلقة بالشركات التجارية أن تنظم ضمن طائفة العقود التجارية المسماة التي استعرضها قانون التجارة، إلاّ أن أهميتها الكبرى في الحياة التجارية وأثرها البالغ في المشروعات الاقتصادية فرض على المشرّع أن يفرد لها قانوناً مستقلاً.

إن تفضيل الاستقرار في السياسة التشريعية لا يعني تعطيل حركة التطور القانوني، كما لا يعني أيضاً التأخّر عن متابعة مظاهر الرقي في المجتمع الإنساني، فالقانون لا يعارض تطلعات الأفراد لاستشراف آفاق المستقبل، ولا يحول دون إعداد الحاضر لمجيء غدٍ أفضل. ولكن من طبيعة التشريع أن لا يولي اهتمامه إلاّ للأوضاع المعاصرة له وقت نفاذه.

وإذا كان المقصود من التشريع حفظ النظام العام وسيادة القانون، أو كما يقول بعض الفقهاء ضمان السلم الاجتماعي، فإن هذه المقاصد مما يكفلها ثبات القانون لا تغييره. ولا يتيسّر للقانون أن يحتفظ بخصيصة الثبات إلاّ إذا كان تعبيراً حقيقياً عن خصائص الواقع وتطلعاته، ومرآة نقية تعكس ملامح المجتمع وقسماته، وليكون التشريع كذلك، فإن من الواجب عدم المغالاة في الاقتباس، أو الإسراف في التقليد، وعلى سبيل المثال رأينا كيف أخذ القانون المدني بثبوت الشفعة للجار ( م921 )، ولم يكن على ذلك عمل من قبله، بل العمل على أن لا شفعة إلاّ للشريك حسبما عليه جمهرة الفقه الشرعي. ورأينا كيف استعرض المدني ملكية الطبقات والشقق (م884 وما بعدها)، بينما نظام التسجيل العقاري لا يقبل ذلك النوع من الملكيات العقارية.

إن قرب التشريع من الواقع يعني قربه من المخاطبين بأحكامه، فهم يعرفونه ويألفونه، ومن قربه ألاّ يغيّر من أنماط حياتهم إلاّ ما يرونه صحيحاً وعادلاً، هناك فقط يكون التغيير مقبولاً ومُرضياً.

أستاذ القانون التجاري المساعد

كلية القانون – جامعة قطر

Twitter0Facebook0Google+0Email